السيد نعمة الله الجزائري

227

الأنوار النعمانية

اللّه أمير المؤمنين مالك بن الحرث الأشتر في عهده اليه حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها امره بتقوى اللّه وايثار طاعته واتباع ما أمره به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد الا بإتباعها ولا يشقى أحد الا مع جحودها واضاعتها وان ينصر اللّه سبحانه بيده وقلبه ولسانه فإنه جل اسمه قد تكفل بنصرة من نصره واعزاز من اعزه وامره ان يكسر ممن نفسه عند الشهوات ونزعه عند الجمحات فان النفس امارة بالسوء الا ما رحم اللّه . ثم اعلم يا مالك اني قد وجهتك إلى بلاد وقد خرجت عليها دول قبلك من عدل وجور وان الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم وانما يستدل على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فان الشح بالنفس الأنصاف فيما أحبت أو كرهت واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم ، فإنهم صنفان اما أخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطاء فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك اللّه من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك واللّه فوق من ولّاك وقد استكفاك امرهم وابتلاك بهم ، ولا تنصبن نفسك لحرب اللّه فإنه لا يدي لك بنقمة ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ، ولا تندمن على عفو ولا تبحجنّ بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ، ولا تقولن انّي مؤمر آمر فأطاع فانّ ذلك ادغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير ، وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى أعظم ملك اللّه فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فانّ ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكف عنك من عزمك ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك ، إياك ومسامات اللّه في عظمته والتّشبه به في جبروته فانّ اللّه يذل كل جبار ويهين كلّ مختال ، انصف اللّه وانصف من نفسك ومن خاصّة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيّتك فانّك الا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللّه أدحض حجته وكان للّه حربا حتى ينزع ويتوب ، وليس شيء ادعى إلى تغيير نعمة اللّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فانّ اللّه يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد . وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها فغي العدل واجمعها لرضى الرّعية ، فان سخط العامّة يحجف برضا الخاصة ، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامّة ، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالألحاف وأقل شكرا عند الإعطاء وأبطأ عذرا عند المنع وأضعف صبرا عند ملمّات الدهر من أهل الخاصة ، وانما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك